INSIGHTS

المواجهة القانونية للإشاعات في ضوء تفشي فيروس الكورونا المستجد

April 27, 2020

123

كتابة:
أ. أشرف الفيشاوي، المؤسس والشريك المدير
أ. أحمد حسن بيومي، محام أول

مقدمة
إن فيروسات كورونا هي زمرة واسعة من الفيروسات تشمل فيروسات يمكن أن تتسبب في مجموعة من الاعتلالات في البشر، تتراوح ما بين نزلة البرد العادية وبين المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة. كما أن الفيروسات من هذه الزمرة تتسبب في عدد من الأمراض الحيوانية.
وبظهور فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، حيث إن هذه السلالة الخاصة من فيروس كورونا لم تُحدد من قبل في البشر. والمعلومات المتاحة محدودة للغاية عن انتقال هذا الفيروس ووخامته وأثره السريري لأن عدد الحالات المبلغ عنها قليل حتى الآن([1]).
في ظل الانتشار المخيف غير المسبوق في مختلف دول العالم لفيروس كورونا وما نجم عنه من وفيات وتجهيز مناطق عزل وإصابات للآلاف ومنهم مشاهير ووفيات بعضهم، واجتياحه لمناطق واسعة من المعمورة متخطيا الحدود والأعراق، لينشر الفزع والخوف والتخبط وخروجه عن السيطرة البشرية ، تنتشر الشائعات سواء أكان الدافع وراء تلك الشائعات الفزع والخوف أو كان الدافع من ورائها أغراض أخرى كتقويض أمن الدول والعبث بمصداقية أية اجراءات تقوم بها وتكدير السلم العام بها([2]).
وحيث يصنع الجهل والأمية والفقر والاعتقاد في السحر والشعوذة لدى الشعوب المتأخرة حضاريا بيئة خصبة لانتشار وازدهار الشائعات بأنواعها المختلفة بل عند الفزع والخوف من الإصابة بفيروس مازال مجهول العلاج حتى الآن تنتشر أيضا الشائعات لدى الأمم والشعوب المتقدمة حضاريا، فالخوف لا يفرق بين البشر إذا تمكن من العقول، وبعض محترفي ترويج الشائعات يستغلون هذا الخوف الفطري من المجهول والموت لدى الشعوب مهما اختلف درجة حضارتها لبث سموم شائعاتهم ليحصدوا من خلالها ما يصبون إليه من أهداف.
(” ويقصد بنشر الأخبار أو البيانات الكاذبة، إعلان وقائع أو أحداث جارية أو جديدة أو قديمة غير معلومة للجمهور قبل النشر وتقديمها على أنها حقيقية أو ثابتة أو مطابقة للواقع فلا يدخل في مجال التجريم: التعليق على أخبار نشرت، فالتعليق يتميز عن الخبر في أنه لا يكشف عن جديد، فهو مجرد إبداء رأي في مسألة باتت معلومة لدى الجمهور. فلا يسأل صاحب الرأي ولو كان رأيه خاطئا. أما إذا جمع بين الخبر والتعليق عليه فقد يسأل إذا كانت الأخبار أو البيانات إذا كانت كاذبة “)([3]).

ومن خلال الورقة البحثية، نستعرض الإشاعة في القرآن الكريم، ثم الانتقال إلى بعض مفاهيم علم نفس الإشاعة، ثم التعرض للشائعات والعقوبات التي أوردها القانون لمكافحتها، حيث قد يستغل ضعاف النفس من الحاقدين والمغرضين استغلال الأوضاع الحالية لبث الاشاعات من اجل تكدير السلم العام تحقيقاً لأهدافهم المشبوهة ومأربهم الخبيثة.

الشائعات في القرآن الكريم:

إن قضية التثبت، التوثق، وعدم الإذاعة ونشر الإشاعات؛ أمر جلي في كتاب الله تعالى، قال الله: (“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ”)([4]).
وقال الحسن البصري: المؤمن وقاف حتى يتبين([5])، وهذا علي رضي الله عنه إذا حدثه رجل من أصحابه حديثاً استحلفه عليه يقول: احلف لي بالله؛ لأنه سيبني عليه أشياء مواقف، أحكام، فتاوى، حدود.
وكان عمر يقول لمن قال له كلاماً من باب المزيد من التثبت: والله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا؛ للتثبت.
وهذا النجاشي لما أتي إليه بأن بعض الصحابة الفارين إلى بلده قالوا عن المسيح قولاً عظيماً أتى بهم واستثبت منهم، وعرف أن موقفهم من المسيح عليه السلام هو الموقف الصحيح.
وفي غزوة الأحزاب أرسل النبي ﷺ لبني قريظة من يتأكد هل نقضوا العهد أم لا.
وفي حضارتنا الحديثة يمكن لبريد الإلكتروني يرسله أحدهم في ثواني، ينتج عنه نشر الشائعات والأخبار غير الصحيحة، والأخبار المكذوبة، والتي في نشرها أضرار وآثام كبيرة.
 

بعض مفاهيم علم نفس الإشاعة

(” للإشاعة شرطان أساسيا. فالشرط الأول ينحصر في أن موضوع الإشاعة ينطوي على شيء من الأهمية بالنسبة للمتحدث وللمستمع، أما الشرط الثاني فينحصر في أن الوقائع الحقيقية ينبغي أن تتسم بشيء من الغموض وهذا الغموض يمكن أن ينشأ عن انعدام الأخبار أو اقتضابها، أو عن تضارب الأخبار، أو عدم الثقة بها، أو عن بعض التوترات الانفعالية التي تجعل الفرد غير قادر أو غير مٌهيأ لتقبل الوقائع التي تقدمها الأخبار إليه.
والحق هو أن الإشاعة تعتمد دائما على فتات متخلف من الأخبار، تشتمل على ” جانب من الحقيقة”، ولكن هذا الفتات تطغى عليه في مرحلة انتقالاته، شطحات، بحيث يستحيل أن يعزل منها أو أن يستبين متميزا عنها. ففي أقصوصة الإشاعة يكاد يكون من المستحيل دائما أن نحدد على وجه الدقة ما هي الوقائع التي ترتكز إليها، أو ما إن كانت حقا تشتمل على أية واقعة على الإطلاق.
.. إن قدر الإشاعة السارية يتغير تبعا لمدى أهمية الموضوع عند الأشخاص المعنيين، وتبعا لمقدار الغموض المتعلق بالمسألة المعنية. والعلاقة بين الأهمية والغموض ليست علاقة “إضافية” وإنما علاقة ” تضاعفية” بمعنى أنه إذا كانت الأهمية صفرا أو إذا كان الغموض صفرا فلن تكون هناك إشاعة..”)([6])
ومن جماع ما تقدم، نجد أن القانون الأساسي لنشر أي إشاعة وضمان توغلها بين فئات المجتمع كافة، توفر شرطي الأهمية والغموض، وبإنزال ما تقدم على انتشار وباء فيرس كورونا، نجد أن قلة الأخبار وندرتها حول كيفية التعامل في مجال مكافحة اجتياح فيرس كورونا لمجتمعاتنا البشرية ينتج بالتبعية أرضا خصبة لإنتاج أي إشاعة متعلقة بالفيروس نظرا للأهمية التي يحملها في نفوس الكافة سواء في طبقات الفئات النخبوية حكام ورجال أعمال ومشاهير أو فئات أخرى كسائر المواطنين.
إذاً، كلما غابت الأخبار أو ندرت عما يشغل الناس، كلما كانت البيئة ممهدة ومهيئة لإنتاج أكبر قدر من الشائعات، مما يتأكد معه أن الشفافية والابتعاد عن الغموض أمر كفيل بقتل الشائعات في مهدها.

الفرق بين الرأي والخبر:

بادئ ذي بدء، النبأ هو الخبر الأكيد… قوله تعالي “وجئتكم من سبا بنبأ يقين” ، والدلالة هنا  حتي في حال الخبر المؤكدـ لم يقوم سيدنا سليمان بالتصرف الفوري أو المباشر بعد سماع الخبر، بل قال : ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾([7])

يجب التنويه إلى الفارق الكبير بين الرأي والخبر، فالخبر يبحث في: ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ إلى غير ذلك من علامات الاستفهام التي تحاول تسليط الأضواء على الحقيقة. أما الرأي فهو يعتمد تصورا ً واحدا عن أحداث. ولذا يختلف الناس في آرائهم؛ لأن كل واحد يرى الحدث ويفسره من زاويته هو، ومما يتوافر لديه من معلومات([8]).
فالخبر أمرٌ يحتمل الصدق والكذب، يحتمل الدقة والأمانة في النقل، ويحتمل التلاعب به حتى يتم تمريره وتضليل المتلقّي، ولكنه – في المحصّلة النهائية- يظلّ خبراً: صدّقه أو لا تصدقه اين المصدر، وهذا الخبر يكون محل التجريم في حال التلاعب به بقصد التضليل أو تكدير السلم العام، وبعبارة أخرى الخبر بالمعنى المتقدم هو المعنّي بإقترانه بالشائعات محل الورقة البحثية.
–  أما الرأي، فإنه «وجهة نظرٍ» يتحمل تبعاتها كاتب الرأي، الذي تبنّاها وفق قناعاتٍ، وأسانيدَ وفرضيّاتٍ توافرت لديه.. لذا، فإنك حين تنقل خبراً، عليك أن تكون حريصاً على إبعاد الشبهة عن الانحياز لمضمونه، أما أن تتبنى رأياً فلا يمكن أن تتحمل تبعة نشر شائعات، إلا أن الرأي يحتمل في حال التجاوز به جرائم خرى يعاقب عليها القانون كالسب والقذف مثلا.
 

الشائعات ومواجهتها بنصوص القانون الوضعية:

حرية الإعلام بمصر، مرت بمراحل موغلة في القدم، وفي العصر الحديث بدأت رحلة حرية الإعلام في مصر منذ الاحتلال الفرنسي وطباعة أول جريدة عام 1789م، مرورا بقانون المطبوعات سيء السمعة وصولا إلى صدور القانون رقم 180 لسنة 2018 بإصدار قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام([9])
جريمة نشر الأخبار الكاذبة وما يصاحبها من جرائم تقنية مرتبطة:

أولاً: نصوص عقابية عامة
صاغ المشرع المصري سياسة جنائية تتعامل بشكل حازم مع جريمة «الشائعة» بكافة الإجراءات والتدابير المستخدمة فى مواجهة الظواهر الإجرامية المرتبطة بها، بما فى ذلك التجريم والعقاب والوقاية والمنع، واستجابة لمتطلبات التجريم والعقاب دأبت النصوص الجنائية فى مختلف البلدان على تكييف الشائعات وخطورتها جرائم معاقبة بعقوبات مناسبة تراعى تحقيق هدفى السياسة الجنائية المتمثلين فى الردع والإصلاح، كما اعتاد القضاء التعامل مع مرتكبى جرائم الشائعات بكل حزم نظرا لصرامة النصوص المجرمة لها.
ونظرا لتشعب النصوص التشريعية التي تنظم الجرائم محل البحث ، فسيقتصر الحديث على جريمة نشر الأخبار الكاذبة فحسب، حيث إن نشر الأخبار أو البيانات جريمة أخرى ولو كانت صادقة كإذاعة سر من أسرار الدفاع عن اليلاد ( 80 أ من قانون العقوبات) أو نشر أمر يدخل في نطاق الحياة الخاصة للمواطن بدون رضائه ( المادة 309 مكرر أ من قانون العقوبات) .
نظمت المادة 188 من قانون العقوبات([10]) عقوبة كل من نشر أخبار كاذبة وأدت إلى تكدير السلم العام، واشترط النص المذكور أن يكون النشر بسوء قصد كما اشترط أن يؤدي النشر إلى تكدير السلم العام أو إثارة الفزع بين الناس أو إلحاق ضرر بالمصلحة العامة.

ثانياً: نصوص في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ” قانون الجرائم المعلوماتية”
  كما تعرض القانون([11]) رقم 175 لسنة 2018 فى شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات للجرائم المتعلقة بالاعتداء على حرمة الحياة الخاصة والمحتوى المعلوماتي غير المشروع سواء بنشر أخبار صحيحة أم غير صحيحة (المادة 25 )([12])، كما شددت المادة 34 منه على العقوبة  لتصل إلى السجن المشدد في حالة الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، أو الإضرار بالأمن القومي للبلاد أو بمركزها الاقتصادي أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة لأعمالها، أو تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو اللوائح أو الإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي([13]).  

ثالثاً: نصوص في اطار النشر والاعلام:
كما تعرض القانون 180 لسنة 2018 قانون تنظيم الصحافة لنشر الأخبار الكاذبة ([14])( المادة 19 منه)، غير أنه لم ينظم عقوبة في الفصل الخاص بالعقوبات بالقانون، مكتفيا بالعقوبة التي قررها قانون العقوبات لهذه الجريمة. ويأتي النص المذكور بقيود لحظر الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية أو الموقع الإلكتروني الذي ينشر أو يبث أخبارا كاذبة حيث يلتزم بأحكام هذا النص كل موقع إلكتروني شخصي أو مدونة إلكترونية شخصية أو حساب إلكتروني  يبلغ عدد متابعيه خمسة آلاف متابع أو أكثر، وحيث ينتقد النص المتقدم أن معيار التجريم والحظر هو بعدد المتابعين للحساب الذي يبث الأخبار الكاذبة وليس بفداحة الجرم المتمثل في ( نشر أو بث أخبار كاذبة أو ما يدعـــو أو يحرض على مخالفة القانون أو إلى العنف أو الكراهية، أو ينطوى على تمييز بين المواطنين أو يدعو إلى العنصرية أو التعصب أو يتضمن طعنًا فى أعراض الأفراد أو سبًا أو قذفًا لهم أو امتهانًا للأديان السماوية أو للعقائد الدينية.) كما جاء بالنص ذاته.
وبعد استعراض النصوص التشريعية المنظمة لجريمة نشر الأخبار الكاذبة بقانون العقوبات والقوانين المرتبطة ذات الصلة، نجد أنه وعلى الرغم من أهمية  وإيجابيات شبكات التواصل الاجتماعي، إلا أن (” الاستخدام الضار لهذه الشبكات هو أحد أهم السلبيات الناشئة عنها، فقد أضحت هذه الوسائل الحديثة تسهم في انتشار الشائعة وتضخيمها بشكل مبالغ فيه في فترة وجيزة لا تستغرق ساعات، مما يترتب عليه إحداث بلبلة، وهدم النسيج الوطني، وجعله يعاني من فوضى عارمة نتيجة تناقض الأخبار وتحير أفراد المجتمع ما بين مصدق ومكذب، وتسهم في اضطراب المجتمع في ضوء استغلال مميزات وسائل التواصل الاجتماعي وعدم فرض رقابة عليها في نشر الشائعات المغرضة التي تزعزع الأمن والاستقرار، وقد تؤدي إلى ردود أفعال عدائية بين الأفراد، قد تتفاقم لتحدث حرب أهلية تقضي على الأخضر واليابس”)([15])
فلا شك أن من (“ينشر أخبارا كاذبة مع علمه بذلك يكون مروجا للباطل ومضللا للرأي العام ويكون قد أساء استعمال حرية الرأي والتعبير ونشر الأخبار المكفولة بنص المادتين 47و 48 من الدستور. ولا يتناول القانون تجريم نشر الأخبار الكاذبة إلا إذا كان من شأنه أن ينال بالاعتداء أو يهدد بالخطر مصلحة معينة أما إذا كان الخبر يمثل عدوان على الحقيقة فحسب دون أن يمس ثمة مصلحة فلا يكون محل تأثيم جنائي. وإذا كان القانون يعاقب على القذف الذي يفترض نشر وقائع غير حقيقية ماسة بالغير، فإن الشارع حرص على تشديد العقوبة في الحالات التي يكون من شأنها تهديد استقرار وأمن المجتمع.
وتتميز جرائم نشر الأخبار الكاذبة التي من شأنها تكدير السلم العام بالنظر إلى الموضوع الذي تتناوله الأخبار. فقد تكون المحصلة المحمية هي الأمن الخارجي إذا كان الخبر الكاذب يتعلق بالاستعدادات الحربية للدفاع عن البلاد ( المادة 80 ج) ، وقد تكون المصلحة محل الحماية هي الأمن الداخلي (المواد 80 و102 مكررو188 عقوبات) وقد يكون التجريم لأغراض اقتصادية فيحرم الشارع كل نشر يؤثر في الاقتصاد القومي.”)([16]) وقد تكون المصلحة المرعية مزيج من كل ما تقدم كما هو الحال في حالة وبائية تحتاج العالم بأسره فيكون الخبر الكاذب المغلف بالشائعة مستهدفا من ابلاد العسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي بأسره.
إن ما جاءت به التكنولوجيا الحديثة للإعلام والاتصال قد (“فتح آفاقاً جديدة وأحدث تغييرات عميقة في مختلف جوانب الحياة الإنسانية، الثقافية، الفكرية والاجتماعية، كما أثر بشكل كبير على كافة أنماط الاتصال الانساني، حيث فتح المجال واسعا لتجسيد مفهوم القرية الكونية الذي أشار إليه مارشال ماكلوهان. ويشير مفهوم تكنولوجيا الاتصال إلى التجهيزات والوسائل التي اكتشفتها أو اخترعتها البشرية لجمع وانتاج وبث ونقل واستقبال وعرض المعلومات والأخبار الاتصالية بين المجتمعات والأفراد.. “)([17]).

 
الخاتمة

الجائحة هي وباء عالمي أصابت كافة أرض المعمورة لم يفرق بين دولة وأخرة وبين شعب وآخر، كيف تؤثر الإشاعة على حياتنا، كم يمكنها إحباط عزائمنا، وتثبيط أرواحنا، في وقت ما أحوج وطننا إلى تكاتفنا ووحدتنا، والتحلي بالمثابرة لمواجهة وباء كوني أصاب البشرية بأسرها، ما بين مرضى وقتلى وجمهرة الشعوب من الخائفين من أن يصيبهم ذلك الفيروس القاتل، فتأثير الشائعة يكون مضاعفا متأثراً بحالة الخوف والفزع.
الشائعة والتي تنشأ بدافع الفزع والخوف من انتشار هذا الفيروس يمكن القضاء عليها في مهدها بمزيد من الشفافية حول الفيروس وطرق مواجهته، كما ألقينا الضوء على التوجيه الإلهي  لمواجهة نشر الأخبار الكاذبة وما تعرض إليه النبي الهادي البشير، فضلا عن النصوص التشريعية الوضعية والتي نظمت ورتبت العقوبات لمواجهة الشائعات سيما تلك التي تؤثر على الأمن القومي أفراد وجماعات.
وفي إطار متصل نشرت النيابة العامة المصرية على صفحتها الرسمية بيانا عن تصديها لنشر الأخبار الكاذبة عن فيروس كورونا، جاء فيه (“إزاء المتداول في الأيام المنصرمة حول فيروس “كورونا” الـمُستَجَد وآثاره، وما استتبع ذلك من إجراءات اتخذتها مؤسسات الدولة وقايةً منه ونشراً للتوعية من أضراره، وبياناً لكيفية مكافحته واتقائه صونا للأنفس والأموال، وما عرض على النيابة العامة من متهمين بجريمة نشر أخبار كاذبة حول هذا الفيروس.
ولـمَّا كانت النيابة العامة تتابع عن كثب كل ما يتم نشره من أنباء في هذا الخصوص وخاصة المتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يُنشَرُ بعضها دون الاستيثاق من صحتها، وما يحمله ذلك من خطورة؛ إذ يكدر الأمن والسلم العام.
وانطلاقاً من دور النيابة العامة في حماية المجتمع مما يحيق به، فإن النيابة العامة تناشد المجتمع بأسره توخي الدقة في المتداول من أخبار وبيانات، وتَبَيُّن صحتها من مصادرها الرسمية، وعدم الانسياق وراء الشائعات والأخبار والبيانات الكاذبة أو نشرها وإعادة تداولها والتي تلحق الضرر بالمصلحة العامة، والتحلي بروح الوعي والمسؤولية قياما بالدور المطلوب منهم في هذه المرحلة، والتزاماً من النيابة العامة بأداء دورها، وتطبيقاً لنصوص القوانين؛ فإنها ستتصدى لنشر مثل تلك الشائعات والبيانات والأخبار الكاذبة، إعمالاً لنصوص المواد 80(د)، و102 مكرر، و188 من قانون العقوبات والتي تعاقب مُخالِفَها بالحبس وبغرامة تصل إلى عشرين ألف جنيه، إذ لن تتوانى النيابة العامة في تطبيق القانون؛ ردعا لكل مخالف، وحفاظا على المجتمع من مَغَبَّةِ ذلك الُجرم وما يتبعه من آثار سلبية تطال جموع الشعب.”)([18]).
 
حفظ الله مصر وعافاها،،،


       


([1])  https://www.who.int/csr/disease/coronavirus_infections/ar/  تاريخ اخر زيارة 27 /03/2020.
([2]) ومن الشائعات التي انتشرت مؤخرا حول فيرس كورونا على مواقع وصفحات السوشيال ميديا غير الموثقة أنه فيروس مصنع بشريا، وأنه حرب بيولوجية، وأنه غضب من الله تعالى ونزول عقابه الجماعي على البشر، وأنه ناتج من عادات غذائية مستهجنة لدى بعض الشعوب، ونتج عنه إصابات قادة الجيوش في العديد من الدول، وأنه لدليل دامغ على اقتراب الساعة ودنو أجل البشرية، واستغلالا لهذه النازلة تم إطلاق شائعات بوفاة بعض الساسة والتشفي في موتهم من قبل خصومهم السياسيين، ورغم عدم التثبت من مصدر تلك الشائعات واختلاطها بالنذر القليل من الحقائق، إلا أنها انتشرت انتشارا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة لتثير بلبلة كبيرة، وآثرنا عدم الاشارة إلى الصفحات التي جاء بها الكلام المتقدم حتى لا نساعد في ترويجها.
([3])  طارق سرور، جرائم النشر والإعلام، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى 2004، ص 416 وما بعدها.
([4])  سورة الحجرات الآية السادسة.
([5])  رواه البخاري.
([6])   كامل محمد عويضة، علم نفس الإشاعة، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 1996، ص 55 وما بعدها
([7]) سورة النمل الآية 27.
([8]) السنوسي محمد، الإعلام الحائر بين الرأي والخبر، المنتدى الإسلامي، البيان، العدد 292، نوفمبر 2011، ص 78.
([9])  نشر القانون المذكور بالجريدة الرسمية – العدد 34 مكرر (هـ) – السنة الحادية والستون بتاريخ 16 ذى الحجة سنة 1439هـ، الموافق 27 أغسطس سنة 2018م.
([10])  المادة 188 من قانون العقوبات ) “يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من نشر بسوء قصد بإحدى الطرق المتقدم ذكرها أخبارا أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو أوراقا مصطنعة أو مزورة أو منسوبة كذبا إلى الغير، إذا كان من شأن ذلك تكدير السلم العام أو إثارة الفزع بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة.”) وهذه المادة معدلة بالقانون رقم 568 لسنة 1955 – الوقائع المصرية – العدد الصادر فى 5 ديسمبر سنة 1955 ثم عدلت بالقانون رقم 29 لسنة 1982 – ثم عدلت بالقانون 93 لسنة 1995 – ثم استبدلت أخيرا بالقانون رقم 95 لسنة 1996 – الجريدة الرسمية – العدد رقم 25 مكرر ( أ ) الصادر فى 30/ 6/ 1996
([11]) نشر بالجريدة الرسمية – العدد 32 مكرر (ج) – السنة الحادية والستون بتاريخ 3 ذى الحجة سنة 1439
هـ، الموافق 14 أغسطس سنة 2018م

([12]) المادة 25 (” يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من اعتدى على أى من المبادئ أو القيم الأسرية فى المجتمع المصرى، أو انتهك حرمة الحياة الخاصة أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات شخصية إلى نظام أو موقع إلكترونى لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته, أو نشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخبارًا أو صورًا وما فى حكمها، تنتهك خصوصية أى شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة.”)
  ([13]) المادة 34 (” إذا وقعت أى جريمة من الجرائم المنصوص عليها فى هذا القانون بغرض الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، أو الإضرار بالأمن القومى للبلاد أو بمركزها الاقتصادى أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة لأعمالها، أو تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو اللوائح أو الإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الإجتماعى تكون العقوبة السجن المشدد.”)
([14])  المادة 19 (” يُحظر على الصحيفة أو الوسيلة الإعلاميـة أو الموقع الإلكترونى، نشر أو بث أخبار كاذبة أو ما يدعـــو أو يحرض على مخالفة القانون أو إلى العنف أو الكراهية، أو ينطوى على تمييز بين المواطنين أو يدعو إلى العنصرية أو التعصب أو يتضمن طعنًا فى أعراض الأفراد أو سبًا أو قذفًا لهم أو امتهانًا للأديان السماوية أو للعقائد الدينية.
ويلتزم بأحكام هذه المادة كل موقع إلكترونى شخصى أو مدونة إلكترونية شخصية أو حساب إلكترونى  شخصى يبلغ عدد متابعيه خمسة آلاف متابع أو أكثر.
ومع عدم الإخلال بالمسئولية القانونية المترتبة على مخالفة أحكام هذه المادة يجب على المجلس الأعلى اتخاذ الإجراء المناسب حيال المخالفة وله فى سبيل ذلك، وقف أو حجب الموقع أو المدونة أو الحساب المشار إليه بقرار منه.ولذوى الشأن الطعن على القرار الصادر بذلك أمام محكمة القضاء الإدارى.”)
([15])  رضا ابراهيم عبدالله البيومي، مواجهة نشر الشائعات عبر شبكات التواصل الاجتماعي في الفقه الاسلامي والقانون الوضعي، ورقة بحثية قدمت للمؤتمر العلمي السادس لكلية الحقوق جامعة طنطا المنعقد في الفترة من 22- 23 ابريل 2019 تحت عنوان ” القانون والشائعات”.
([16]) طارق سرور،  المرجع السابق، جرائم النشر والإعلام، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى 2004، ص 413
وما بعدها ([17]) ممدوح السيد عبد الهادي شتلة، استخدامات الوظيفة الإعلامية الإخبارية لموقعي التواصل الاجتماعي ( فيس بوك – تويتر) والاشباعات المتحققة منهما من وجهة نظر طلبة الجامعات المصرية: دراسة ميدانية ، المجلة العلمية لبحوث الصحافة، جامعة القاهرة- كلية الإعلام- قسم الصحافة، 2017، ص 345
([18])  متاح على الرابط التالي: https://ppo.gov.eg/webcenter/portal/oracle/webcenter/webcenterapp/view/pages/shared/ResourceViewer.jspx?resourceId=%2FWebCenterSpaces-ucm%2F1585398501002&wc.contextURL آخر زيارة 30/03/2020

Share this news

Join our mailing list

Connect with us

© Copyright 2019 Al-Feshawy & El-Shazly